الأحد، 10 مايو 2026

الإنسان بين وهم الخاتمية وسُنّة الاستبدال: هل نحن آخر الاستخلاف أم مرحلته المؤقتة؟


الإنسان بين وهم الخاتمية وسُنّة الاستبدال: هل نحن آخر الاستخلاف أم مرحلته المؤقتة؟

منذ فجر الوعي الديني، والإنسان يحمل في داخله يقيناً خفياً بأنه سيشهد النهاية الكبرى، أو أن جنسه سيبقى قائماً حتى اللحظة الأخيرة من تاريخ الكون. , ولعل هذا الشعور لم يأتِ من فراغ، بل تشكّل عبر تراكم النصوص التي تتحدث عن أشراط الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، والدابة، ثم النفخ في الصور.

كل هذه المشاهد يظهر فيها الإنسان حاضراً… شاهداً على الفصل الأخير.

ولعله من هنا او هناك,   تسرّب إلى العقل الجمعي تصور غير مُعلن : أن الإنسان هو “الكائن الختامي” في قصة الأرض، وأن التاريخ الكوني بلغ ذروته بوجوده ثم توقف. لكن السؤال الذي يفرض نفسه :
هل هذا الفهم لازم فعلاً؟
أم أن الإنسان قرأ النصوص من زاوية بقائه هو، ثم حوّل البشارات إلى نوع من الاطمئنان الوجودي الخفي؟

فالقرآن ـ على العكس ـ لا يمنح أي مخلوق ضمانة بالبقاء، بل يكرر بصورة صارمة أن الوجود كله قائم على المشيئة الإلهية وحدها :
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
— سورة فاطر 
وبتأمل التعبير القرآني “خلق جديد”. يظهر جلياً عدم إمكامية الإعادة أو  الإصلاح لذا 

لم يقل : “يعيدكم”، ولا “يصلحكم”، بل يذهب بكم ثم يأتي بغيركم.

وكأن الوجود لا يتوقف على صورة واحدة من صور الحياة العاقلة، ولا على جنس بعينه مهما ظن عن نفسه المركزية والدوام.

بل إن القرآن يكرر سُنّة الاستبدال بصيغ متعددة :﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾
— سورة محمد. 
و وايه سورة المائــــدة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

وهي آيات لا تتحدث فقط عن تبدل سياسي أو حضاري، بل عن حقيقة أعمق :أن المشروع الإلهي لا يتوقف على أمة، ولا على حضارة، ولا حتى على جنس البشرية نفسها. (ان عمر الجنس البشري العاقل (Homo sapiens) , علي هذا الوجود بافضل تقدير لم يتجاوز حتي الان 233 الف سنه) لذا لا يحق أن يري 
الإنسان نفسه  كضرورة كونية، بل عبدٌ داخل سُنّة أوسع .. ومشئة أنفذ .

وفي المعنى نفسه، لما تلا النبي ﷺ قوله تعالى :
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
قال :- «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» بالإشارة الي سلمان الفارسي !.

وكأن الرسالة هنا أن الله لا يعجزه خلق جيل آخر، ولا قوم آخرين، ولا عباد أشد صفاءً وإخلاصاً. (يعد اكشاف احفورية "امو" باثيوبيا نقطة محورية للاستدلال بتحقق هذة الفرضيه. بمقارنة.(Homo sapiens ـ وعمرهم الوجودي 233 سنه ) و الـ  (Hominids الذين يقدر عمر وجودهم بملايين السنوات) .

والأمر يصبح أكثر رهبة حين نعود إلى أول مشهد للاستخلاف ذاته حين قال الله للملائكة :
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
— سورة البقرة , فأجبته  :
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾

والسؤال الذي حيّر المفسرين عبر القرون :
كيف عرفت الملائكة طبيعة هذا الخليفة قبل وجوده او استخلافه ؟
كثير من أهل التفسير ذهبوا  إلى:  أن الله أعلمهم بذلك!، بينما لمح آخرون إلى احتمال أن الأرض قد عرفت قبل آدم مخلوقات مكلّفة أفسدت وسفكت الدماء، فكان سؤال الملائكة استقراءً لما وقع من قبل، لا اعتراضاً على أمر الله.(يُقدَّر بحوالي 4.54 مليار سنة،)!!!

و الفكرة المقلقة , إذا كانت الأرض قد شهدت استخلافاً قبل الإنسان، فما الذي يجعل الإنسان مطمئناً أن الاستخلاف سيتوقف عنده؟

بل إن النصوص النبوية نفسها تصف آخر الزمان بوصفه مرحلة انحدار لا اكتمال.

قال النبي ﷺ : «إن بين يدي الساعة أياماً يُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الجهل»
— متفق عليه , وقوله  ﷺ : «يأتي على الناس زمانٌ القابضُ على دينه كالقابض على الجمر»
— رواه الترمذي
و. ... «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»
— رواه مسلم.
فبتأمل المعنى جيداً ـ فالنصوص لا تصف البشرية وهي تبلغ ذروة النضج، بل وهي تتآكل أخلاقياً ومعرفياً وروحياً.وكأن الإنسان، في آخر أطواره، لا يتجه نحو الاكتمال بل نحو الإنحطاط والإنهاك والانطفاء. ليصبح أسوأ حالاً من وقت ان أستخلف فيه 
فهل هذا وصف لجنس بلغ ذروة استحقاق البقاء؟
أم وصف لمخلوق استنفد أغراض مرحلته؟

مهما يكن , فإن أصل الوهم البشري : أن الإنسان دائماً ما يقرأ الكون من زاوية ذاته! ، ويتخيل أنه محور التاريخ وغايته الأخيرة!.

فعاد وثمود، وفرعون، وقرون بين ذلك كثير , بل حتي الإمبراطوريات الكبرى، كلها ظنت أن وجودها ممتد الي الخلود ، وأنها مركز العالم، ثم ما لبثت ان تحولت إلى آثار صامتة.

قال تعالى : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
— سورة فصلت 

ثم كانت نهايتهم في احسن الاحوال , زكري ليس إلا. !! ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
— سورة المؤمنون. ـ 

ولهذا فإن أكثر ما يرعب في فكرة الاستبدال ليس الفناء نفسه، بل أن يظن الإنسان ـ حتى اللحظة الأخيرة ـ أنه “محور الكون الذي لا بديل له”.ليُقرأ جوهر الإستبدال ليس بكونه مجرد عقوبه وحسب,  إنما  كسر لوهم المركزية.

عله يفيق ـ الإنسان ـ من أنه ليس محور الكون، وأن الله :﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
— سورة آل عمران 

ومن هنا يصبح سؤال النهاية أكثر عمقاً ورهبة :

ربما لا يكون السؤال الحقيقي :
“هل سيشهد البشر نهاية العالم؟”

بل :

“هل سيبقى البشر أصلاً إلى اللحظة التي يظنونها نهاية العالم؟”

لأن النهاية التي يتصورها الإنسان قد تكون، في الحقيقة، (نهاية مرحلته هو فقط)… لا نهاية الوجود كله.

فالجن سبقوا البشر، والبشر ـ علي تفاوتهم  خلفوا من قبلهم، والكون أوسع من أن يُختزل في وعينا الحالي.

وما الذي يمنع ـ عقلاً ونصاً ـ أن تأتي بعد الإنسان مرحلة أخرى من الاستخلاف؟
أو خلق آخر؟
أو صورة من الوعي تختلف عنا ـ بايسر تقدير  كإختلاف الفراشة عن اليرقة؟

ليس ثمه دليلاً قاطعاً ينفي ذلك. , بمثلما إحتماليته حاضرة .. حاضرة بنص  القرآن حين  ترك الباب مفتوحاً أمام اتساع القدرة الإلهية، لا أمام مركزية الإنسان. ومواربا أمام إمكانية الاستبدال. !!

ولهذا ربما يكون أخطر ما في الإنسان، ليس ضعفه… بل اعتقاده أنه النهاية.

بينما الحقيقة التي نقراءها تكرارا منذ البدء هي :
أن البقاء ليس حقاً مكتسباً، وأن الاستخلاف ليس عقداً أبدياً، وأن الله كلما شاء أذهب قوماً وأتى بآخرين , ﴿لَا یُسۡـَٔلُ عَمَّا یَفۡعَلُ وَهُمۡ یُسۡـَٔلُونَ﴾ ــ الأنبياء 

فربما,   قد يأتي زمن تنظُر فيه أمم أخرى إلى آثار البشر كما ننظر نحن اليوم إلى أطلال عاد وثمود وغيرهم,  مدن مطمورة…لغات منقرضة…تقنيات صامتة…

ثم يقولون : “كان هنا جنسٌ اسمه الإنسان… وظن يوماً أنه الأخير.”!!!

الأربعاء، 4 مارس 2026

زکری عماليق وعيد بوريم من شبات زاخور إلى النجاة


قرار الحرب أحيانا.. لا يُتخذ من غرفة العمليات فقط  , بل من ذاكرة دينية يمتد عمرها  لأكثر من ألفين وخمسمائة عام.  


وإذا دفعتك الرغبة  بمعرفة الموضوع من هكذا جانب " تلك الأسباب الدينية والتاريخية  "
لننظر متي بدأت الحرب 

فالسبت الماضي لم يكن سبتاً عادياً في التقويم العبري  كان (شبات زاخور) أي سبت التذكر  
وهو السبت الذي يسبق عيد  بوريم مباشرة وفيه يُتلى مقطع  من سفر التثنية يأمر بتذكر ما فعله  
عماليق ببني إسرائيل بعد خروجهم من مصر.  

ومع مرور القرون تحول اسم «عماليق»  
في الفكر الديني اليهودي إلى رمز لكل عدو يُنظر إليه كتهديد وجودي لا يجب نسيانه.  

ثم يأتي بعده مباشرة عيد بوريم ومعناه «عيد القرعة»  
وقد سمي كذلك لأن «القرعة» كانت الوسيلة التي استخدمها هامان لتحديد يوم تنفيذ مخططه.  

تعود أحداث العيد  إلى القرن الخامس قبل الميلاد كما ترويها (مغيلات إستير ) أي سفر إستير.  في هذه الرواية يظهر هامان الأجاجي  
وهو الوزير الأول في بلاط الملك الفارسي أحشويروش  الذي يرجح معظم المؤرخين  
أنه خشايارشا الأول ملك الإمبراطورية  
الفارسية الأخمينية الذي حكم قبل الميلاد بخمسمائة عام.  

سعى هامان إلى استصدار مرسوم  يقضي بإبادة اليهود في أرجاء الإمبراطورية، لكن الملكة إستير  وهي زوجة الملك وأصلها يهودي وبمساعدة قريبها ومستشارها مردخاي  تمكنت من كشف المؤامرة فانقلب القرار  وأغتيل هامان.  
وَتَحَوَّلَ يَوْمُ الْإِبَادَةِ إِلَى يَوْمِ نَجَاةٍ وَانْتِصَارٍ.  

إذن نحن أمام أسبوع يحمل رمزين ثقيلين  
في الوعي الديني اليهودي، 
أولاً: تذكر العدو التاريخي 
وثانياً: النجاة من تهديد فارسي  
وصف بأنه إبادة شاملة.  

وهنا تبرز المفارقة حين تتزامن مواجهة عسكرية  
مع إيران الحديثة وارثة الجغرافيا الفارسية تاريخياً  مع هذا التوقيت تحديداً  
فإن القراءة الرمزية تفرض نفسها  
لكن.. هل اختير اليوم فعلاً لهذه الدلالات الدينية؟  
أم أن الأمر يخضع لحسابات استخباراتية وعملياتية بحتة , تتعلق بالجاهزية ونوافذ الفرص العسكرية؟  

في كثير من الاحيان يكون قرار الحرب قرار  عسكرياً ـ ولكن التوقيت هذة المرة  ليس بريئاً، لأن الحروب باتت بواعثها ليس كما كانت قبل ـ  لذا من المرجح ان  لا تدار بالسلاح وحده بل بالسرديات أيضاً  
وإن صدقت هذة الفرضيه  بإختيار التوقيت  فإنه بلا شك ان التوقيت تكتنفه رسالة.  


الأربعاء، 1 يناير 2025

"وظيفية النص" : فن التعبير الذاتي وتحقيق "الغرض" .



أشعر بحكاك بين صدغي كلما حملتني رغبة إلي الكتابة، فالكتابة واحدة من أروع تراويح النفس. إنها كــ (دلو) يغمس في أعماق الذات لتفرغ من الدواخل مما تريد ومما لا تريد على السواء، وتطرحه فرحاً أو كرهاً. ثم ما تلبث أن تنشرح أساريرك - أو تبت يداك!


الأمر أشبه بـــ(استدعائك القئ من أعماق جوفك بفرشاة أسنان حين يدهمك طمام استعصى عليك استفراغه) . غير أن ما يُعول عليه حيال ذلك في أغلب الأحيان - إن لم يكن لزاماً - هو ما يمكن وصفه بـــ "وظيفية النص". مقدرة النص على تحقيق "الغرض" من كتابته.

فهذة الوظيفية وإن إبتدرنا الحديث عنها .. 
أحالتنا إلى اتجاه مغاير تماماً لم يكن بالحسبان ساعئذ وهو "الغرض". فالغرض يُشكل "وظيفة النص"، وهي - أي الوظيفية - وإن أُطِّرت باستفهام "كيف ولمن" تكتب، فإن "الغرض" يتجاوز إطار السبب في "الشكل" والـ"كيف " من جه  الحصر والإحاطة  بــالظواهر والتجربة.

فوظيفية النص، وإن كانت همزة وصل بين الكاتب والقارئ بحساب كونها حاملة وناقلة المضمون، إلا أنها فيما يلي- الاتصال الذاتي (𝙸𝚗𝚝𝚎𝚛𝚗𝚊𝚕 𝚌𝚘𝚖𝚖𝚞𝚗𝚒𝚌𝚊𝚝𝚒𝚘𝚗) الكامل   - تفقد لزوميتها بالنسبة للنص لتترك "الغرض" يكابد البقاء حيز الوعي المنساب منه والمناسب له! فكثيراً ما أكتب (لا) لأجل شيء  "ما" أو لمتلقي محدد ، ولكني أفعل ـ ويكفيني من ذلك ـ إيجاد تواصل داخلي جيد، وإجادة إدارته.

فالوعي بما يمكن الإخبار عنه من ظواهر وتجربة وإن بدا في ملمحه فينومينولوجي (𝚙𝚑𝚎𝚗𝚘𝚖𝚎𝚗𝚘𝚕𝚘𝚐𝚒𝚌𝚊𝚕) بحت، إلا أنه بالتحقيق يمكن تعميمه برضا مريح - حين يدلق، إذ لا افتراض لواقع مستقل عن الإدراك بذلك.

لتكن قصدية "الغرض" موجهة بالأساس بتوجيه الوعي نحو شيء أكبر في تصوره ، والحال هو كذلك: "كل حالة وعي هي وإدراك بشيء محدد" يصف الظواهر كما هي عليه في واقعها أولاً، وكما إنقدحت بالوعي - ليس بمعزل عن  التجربة الذاتية الناضجة  - دون محاولة تحليلها ـ الظواهر  أو إيجاد تفسيرها أو إيجاد منطقية حدوثها ثانياً.

لتكون الظواهر أكثر تجريداً من أي افتراضات مسبقة أو تصورات خارجية تخل بفهمها - فتظهر فقط كما بدت أول ما بدت في حيزها وانعكاسها في الوعي المُدرك حدوثها - ما يجوز تعميمها وإن كان مصدرها ذاتياً.

وإلا فغير ذلك - عندما تنطلي الظواهر بافتراضات مسبقة مأخوذة من تجارب ذاتية غير ناضجة بوعيها كفاية فيختل الإدراك بها، وتبدو الظواهر في الوعي بغير ما هي عليه. وقد يدرك بنحو خاطئ تماماً ظاهرة ما.

(كم كنت تظن شيئاً بدا لك، ثم تدرك أنه على غير ما بدا لك أولاً). بلا شك كثير. فزاوية النظر للشيء قد تمنحه فهماً مغايراً - فوق ذلك التجربة الذاتية (من لدغه الدبيب، يخاف ... المثل). فمثل هكذا وعي يجب أن لا يؤثر على إدراكنا لماهية الحقيقة. , ولكن كيف ننفك من مشوهات الادراك ـ وخداع الحواس للعقل. حين يمرر الظواهر علي أنبوب التجربة الذاتية وتدجلها  بهوي يشوه الهوية ـ (الماهية)  ـ الحقيقة 

إن صادف هذا النص قارئ ما,  و واصل بالقراءة لهذة الفقره مما كُتب,  عليه أن يأخذ بكلامي حيال هذة التجربة : أن لا يعيد القراءة مجدداً , ولا مرة أخري فيمابعد  . وأن يغتنم الفرصه بدلا من  ذلك في خلق تواصل بينه وبين ذاته بدون إختيار موضوع محدد  للحديث ولا تحديد "غرض" سوي إن يجب أن تفعل ـ بلا اجبارِ ما  سوي إكراهات الموضوع.  

▌│█▌║▌║▌▌║█│

---

الخميس، 12 ديسمبر 2024

هل لا يازال لـ (الفلسفة) طائل بعد. ؟

                ❞   
  الجهل يودي إلى الخوف والخوف يؤدي إلى الكراهية والكراهية تؤدي إلى العنف. هذه هي المعادلة.  
                    .                              ❝
.                                                  إبن رشد
تكمن القيمة الدائمة للفلسفة في تطوير الفكر البشري لدي كل فرد وبالتالي كل مجمتع .

كما أنها ـ اي الفلسفة ـ  اختصاصاً مشوقاً  بمثل أنها ممارسة يوميّة من شأنها أن تحدث تحوّلاً في المجتمعات. إذ تحث ــ الفلسفة ـــ على إقامة حوار الثقافات وتحيلنا إلـي إكتشاف تنوع التيارات الفكرية في العالم , لتسهم ـ حال إستيعاب ذلك الذي سبق   ـ في  بناء مجتمعات قائمة على مزيد من التسامح والاحترام و من خلال حب العلم وطلب المعرفة و الحث على إعمال الفكر ومناقشة الآراء بعقلانية وصقل النفوس بالترفع الراقي عن ماهو معيب.
إلي ذلك باتت  الفلسفة كذلك وسيلةً لتحرير القدرات الإبداعية الكامنة لدى البشرية من خلال إبراز أفكار جديدة. وتُنشئ الفلسفة الظروف الفكرية المؤاتية لتحقيق التغيير والتنمية المستدامة وإحلال السلام.
فالنظر للحياة من وجه نظر فلسفية لم يعد كافياً بحال,  لذا دائما ما يحدوني فوق ذلك ـ النظر ـ الي تجربة معايشة الحياة بنهج فلسفي أحاول أن اصل فيه وبه إلي أعماق لم تطرأ علي الواقع ولم تخطر علي ظن أحد ـ بما في ذلك (ذاتي) ـ في حال إن حسبتها ضمناً,  لذا فإن السقوط في (بئر النفس) لطالما هو مرتقي  راق ـ يشعرك ـ مهما كان طقس محيطك ـ (إن الماء في الأعماق دافٍ) 
هذا بنحو شخصي ـ والا فغيره ـ ليس ثمه غرابه  أن يكون للفلسفة يوم عالمي (الخميس الثالث) من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام
 كما  أقرتة  اليونسكو ,  بوصفها احد سبل  تحسين جودة الحياة
 . الشي الذي دمغ قناعتي وكذلك الحاجة الملحة للبشرية بنحو عام لـ (لفسلفة) تعلماً وممارسه لتحسين جودة الحياة  وخلق حياة سعيدة. 
ونحن إذ نحاول ـ إن حاولنا ـ علنا نستطيعها. 

السبت، 10 أغسطس 2024

بين منهج (عبدالله الطيب) و (طه حسين)


عبد الله الطيب (1921ـــ 2003)م 
وطه حسين (1989 ــ 1973)م 
من عمالقة النقد الأدبي العربي  ولكلٍ منهما بصمته المميزة وأسلوبه الخاص في تناول النص الأدبي , اذ جمعهما حب اللغة والادب وأخذهم الاهتمام بالتراث العربي و الولع بالدراسات الأدبية العربية ,  بخاصة الشعر الجاهلي والقرآن الكريم.
فتميز كلٍ من (الطيب)  و (حسين)  بعمق تحليلهما النقدي للكشف عن المعاني الدقيقة والطبقات المعنوية للنص الأدبي والبناء الفني للنص ,  والعناصر التي تدخل في تركيبه , من صور شعرية وإيقاع وقافية.
كل ذلك من خلال دراسة الأدب سواء من خلال سياقه التاريخي والثقافي والبيئة التي كانت يعيشها الشاعر  أو الجانب الفني و التركيب البنيوي للنص بنحو مستقل.  
المشتركات بين (الطيب)  و(حسين)  أكثر من أن تحصي كما انها ظاهرة وبينة ..

بيد انه ثمه فوارق دقيقة بابكاد تظهر .. بين طريقة الرجلين في تعاطيهما مع الموضوع ـ الادب العربي ـ يمكن ملاحظتها  في المنهج والاسلوب والتركيز علي الدين . ـ (بالنسبه لـ 'طه' ثمه فترتين عاشهم الرجل تقلب بينهما الي إن استقر بهدي ويقين  بعد شك مقيت) 

 اما ..
المنهح النقدي :
إتبع (عبد الله الطيب) منهجًا نقديًا أكثر تركيزًا على البنية الداخلية للنص , حيث كان يهتم بدراسة العناصر الفنية والجمالية للنص بشكل مستقل.
ومنهج (طه حسين) في النقد كان منهج تاريخيًا، حيث كان يركز على دراسة النص الأدبي في سياقه التاريخي , وربطه بالأحداث السياسية والاجتماعية التي عاشها الشاعر.


وفيما يختص بـ...
الأسلوب السردي :
فإسلوب (عبد الله الطيب) أكثر تعقيدًا وحبكه , ويعتمد على المصطلحات الأدبية والنقدية , مما يجعله موجهًا في المقام الأول للدارسين والأكاديميين 
بينما (طه حسين) إسلوبه السردي سهل و واضوح ,  أقرب ما يكون للحديث اليومي ,  مما يجعل كتاباته سهلة الهضم حتي للقارئ العادي.!

التركيز علي الدين : 
(عبد الله الطيب) كان أكثر حذرًا وتورعاَ في تناول القضايا الدينية ,  ومركز بشكل أكبر على الجوانب الأدبية والفنية للنص. بينما , (طه حسين) كان أقل محافظة وأكثر ميلاً  إلى تفسير النصوص الأدبية من منظور علمي , ما جعله عرضه  لإنتقادات بسبب بعض آرائه حول الدين.

يمكن القول إجمالاً أن (الطيب) أمعن تماماً في الجانب الفني والبنيوي للنص , من حيث أنه نص. بينما (حسين) حمل النص ابعاداً سوسيولوجي وتأريخية.

الاثنين، 17 يونيو 2024

هل كان (الفلاسفة) يصومون؟

هل كان (الفلاسفة) يصومون؟❗

- بطبيعة الحال ـ فمكوّن الإنسان منقسم بين جسد وروح ـ يتنازعانه هبوط وصعود , كل يحنو الي مصدره.
فلما كان الجسد من تراب الارض فإن نزوعه الي الانغماس فما هو دون ببهيمة ما. . ما لم تقيدة روح متقدة تواقه الي الترفع عن المخازي تحمله الي عوالم روحانيه الطبيعه والمصدر 


هذا التجازب بين المكونين فطن له قديما ليشكل منعطف هام في ماهية كل إنسان بحسب غلبه احد المكونين ـ تفكيراً يخلق سلوك ثم ـ اما أن يرفعك او يهوي بك في درك مادي سحيق.  

عرف بعض الفلاسفة القدماء الصيام، واعتبروا وسيلة لتهذيب الذات الإنسانية وأداة ناجحة لتحرير العقل الإنساني من الأوهام ومطلبات الجسد ، ووسيلة للوصول لذروة الصفا والإتقان الذهنى والتخلص من طغيان الجسد، ولعل من القصص الشهيرة علميا هى صيام الفيلسوف اليوناني أبيقور  𝙴𝚙𝚒𝚌𝚞𝚛𝚞𝚜 كان قد صام  أربعين يوماً قبل أن يؤدي الامتحان الكبير في جامعة الإسكندرية لشحذ قواه العقلية وطاقة الإبداع عنده.
- إن الصيام عند الإغريق القدماء كان مميزا لأنه وجد في بيئة يميزها التفكير الفلسفى بشكل أساسي، والتعالي عن الانحطاطات المادية المخزيه ولذلك في الأدبيات الإغريقية أجد أن كبار الفلاسفة كانوا صوامين، فــ سقراط 𝚂𝚘𝚌𝚛𝚊𝚝𝚎𝚜  و أبقراط 𝙷𝚒𝚙𝚙𝚘𝚌𝚛𝚊𝚝𝚎𝚜 أيضا. كانا يصوما عشر أيام حسوما ما يري فيها الجسد نزواته الا صرعي 
- و أبقراط باعتبارة الطبيب المعالج ما إنفك ينصح اليونانيين بألا يلجأوا إلى الدواء المادى إلا في آخر مرحلة من مراحل التشافى، ففي اليونان القديمة كان يعتقد أن يوم صوم أفضل من تعاطى العلاج بحسب ما أشار إليه المؤرخ اليوناني هيرودوس 𝙷𝚎𝚛𝚘𝚍، كما كان رجال أفذاذ مثل سقراط وأفلاطون 𝙿𝚕𝚊𝚝𝚘
وفيثاغورس𝙿𝚢𝚝𝚑𝚊𝚐𝚘𝚛𝚊𝚜 (يعمدون للصيام للوصول لذروة الإتقان الذهنى والتخلص من طغيان الجسد، فكانوا يعنون بالصوم لأسباب صحية ونفسية وجسدية وفكريه)
- كان الصوم لدى ووردروث 𝙿𝚢𝚝𝚑𝚊𝚐𝚘𝚛𝚊𝚜المؤرخ اليوناني الشهير يرتبط بالآلة، فكان الصوم لأجل (جلب النماء والشجر والماء وللقحط والجدب)، أما فيثاغورس  فكان يؤمن بأن الصوم قوة فكرية وروحية وجسدية، ولذلك عمد بعض الفلاسف القدامى إلى صيام أيام عدة متواصلة خلال السنة، وكانوا يعدون الصوم خلال أوقات معينة أحسن طريقة لتعليم النفس وتهذيبها كى تتحمل الشاق والعسير من الحياة، فصام فيثاغورس أربعين يوما، وكان مقتنعا بأن الصيام يساعد على العمليات الفكرية، 
- وتأثر  𝚃𝚑𝚎 𝙿𝚢𝚝𝚑𝚊𝚐𝚘𝚛𝚎𝚊𝚗𝚜 نسبة إلى الفيلسوف فيثاغورس الذين عاشوا في بلاد اليونان والرومان، وتأثروا بفكره يصومون بسبب الزهد والتقشف، اعتقادا منهم أن البشرية كانت في البداية في حالة من التكامل، ثم فقدتها بسبب الخطيئة والطغيان واعتقد الفيثاغوريون أن الإنسان لا يستطيع التقرب إلى العالم الروحى إلا عن طريق الصيام والابتعاد عن ملذات الحياة.
ـ وتجد الاشارة الي إن وصية النبي صلي الله عليه وسلم بصيام ثلاثه ايام من كل شهر ـ عربي ـ الليالي البيض ـ يضمر في محتواه فلسفة وعلمية عميقة ذات ارتباط بالكون ـ  خفيت علي كثيرين. ـ بيد ان القدماء كانوا علي علم بتأثير اكتمال القمر واقترابه من الارض ـ وما يصنعه بالسوائل ـ وليس حركه المد والجزر فحسب وانما حتي علي دم الإنسان.  

وفى عصر النهضة في أوروبا، أخذ علماؤها يطالبون الناس بالحد في إفراط تناول الطعام والانغماس في الملذات، ويقترحون الصوم للتخفيف من الشهوات الجامحة، والحد من الانغماس الزائد ، فهذا أحدهم "لودفيك كارنارو" 𝙻𝚞𝚍𝚟𝚒𝚔 𝙺𝚊𝚛𝚗𝚊𝚛𝚘 من البندقية يكتب بحوثا عن فوائد الصوم بعد أن مارسه واستفاد منه، وهو في الثالثة والثامنون من عمره، وكان مما قال: "يا إيطاليا البائسة المسكينة!! إلا ترين أن الشهوة تقود إلى موت مواطنيك أكثر من أي وباء ينتشر أو حرب كاسحة"، "إن هذه المآدب المشينة التي هي واسعة الانتشار اليوم، لها من النتائج الضارة وما يوازى اعنف المعارك الحربية".!

خاتمة القول ـ حاله التنازع التي يعيشها الانسان بين مكوناته ـ جسد وروح ـ ان لم تدار بوع كاف ستجرفه طغيان  المادة وسيلها الي درك يثبطه ويفقده كثيرا مما يحتاجة ليحلق في عوالم ذات متعه حقيقة لا متناهية بحال ـ كيف لا وهي ـ وان وجدها او اوجدها ـ لا محال ستقربه من مصدرة المشرق الشفيف. 

الجمعة، 31 مايو 2024

#حديث_الجمعة

Facebook

﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران ١٣٩]